الاثنين، 28 مايو، 2012

الترنيمة الأخيرة



بينما كانت المعركة الأخيرة على وشك الإنتهاء كان الملك قد ناله ما ناله من طعنات و من جروح حتى أتى سهم من بعيد أخترق تلك الإنسجة الضامة التي تخفي تحتها عضلات فولاذية كأنما صُنعت في السماء أو في كوكب خارجي كان السهم قوي فأخذ يغوص في تلك العضلات كحوت كبير يشُق الماء حتى توقف قلب أن يخترق القلب الحديدي بملليمترات صغيرة و لكنه كان قد شق ما في طريقه من شرايين و أوردة أضاف هذا السهم إلى الجراح المزيد من الألم و المزيد من الدماء المفقودة التي تساقطت نحو الأرض تهمس في أُذنيها من الأرض و إلى الأرض نعود.


أمتشق الحِسام الثقيل الكبير و وقف بجواره آخر ما تبقى من رجاله الشُجعان كان يراه قادما بردائه الأسود الذي يختمره من فوق رأسه حتى أخمص قدميه لم يرتهب من ذلك المِنجل الطويل اللامع في يديه إبتسم إبتسامته الواهنة شعر بالدماء الساخنة تتجمع لتكون بُحيرة صغيرة تحت قدميه أرتفعت رؤوسهم في عزة تطاير الشعر الذهبي الناعم بفعل الريح الباردة أحتدت العيون الزرقاء و هي تتأهب ضاقت الحدقات و أرتفاع دبيب القلوب حتى على فوق صوت الجياد و صهيلها المُرعب كان صهيلاً صارخاً يُقال أن الزمن توقف قليلاً أمام تلك الصورة لذلك الملك الشاب الذي ما أن تسلم الحُكم حتى أجتاحت جيوش الظلام أرضها كانوا يأكلون الضحايا و يرتدون جلودها لم ينتموا إلى فصيلة الإنسان ذات مرة يعشيون في كهوف الدببة و ينون من العظام و الهياكل البشرية أسرة عليها يرقدون تقودهم رمزُ الشر كاهنة شيطانية تُبارك قائدهم قبل كُل غارة من تلك الغارات الوحشية.


يُقال أن الزمن توقف يتأمل أولئك الشُجعان ثلاثة عشر رجُل أو يزيدون و لكن حول الملك الشاب كان هُناك ثلاثة عشر رجُل ثلاثة عشر فارس بينهم ذلك العربي الوسيم صاحب الجواد الرشيق الذي أنقذ ذات يوم طفلاً من يد الجحالف الوحشية يُقال أن الزمن طلب من ذلك الرسول ذو الرداء الأسود الثقيل و المِنجل ذو النصل الحاد اللامع أن يتريث و ينتظر بينما وقف الملك الشاب ينتظره و رافعاً سيفه و يُردد أبيات الرثاء الأخيرة لنفسه قبل أن يُرددوها عليها و هو في طريق إلى الأرض الخالدة رفع سيفه على الرغم من الآلام الرهيبة و الدماء المُتساقطة و من وراءه علا صوت الترنيمة الأخيرة و أشرأبت أعناق النساء الآرية فلمعت كنصل ذلك الحِسام الثقيل و تطايرت أغطية الرأس عنها فبدت الخيوط الحريرة الذهبية مُثيرة للشجن حزينة أم سعيدة لا تدري هي تنتصر و تفقد الملك الشاب.

الآن أنا أقف على الأرض الفانية 
لأعبر إلى الأرض الخالدة
هأنا أُشاهد أرواح أبي و أمي 
هأنا أُراقب أرواح الأجداد
هأنا أُراقب أرواح المُقاتلون الأحرار
و الرجال الأخير
هأنا أرى قلوب الشُجعان النابضة 
تدعوني إلى الإنضمام
هأنا لا أخاف الموت
هأنا أنتظر النصر 
سيفي يصنع نصري يمنحني مجدي
يبني اركان عرشي
فلتسمع السماء إسمي
فأنا قادم إلى الأرض الخالدة


لم يدري أحد كم أستغرق الوقت كي تهجم الجحالف الوحشية هجمتها الأخيرة من على طهور تلك الجياد النارية الوحشية كُل ما يتذكروه أنهم وقفوا و ثبتوا حينما لم يكُن الوقوف و الثبات بهذا القدر من اليُسر حينما كان الوقوف و الثبات يعني التضحية بآخر نفس يتردد في صدرك بآخر دقات قلبك و كما تكون الوحوش الضارية في قمة شراستها وقت تلك اللحظات الأخيرة في حياتها كانت الهجمة الأخيرة عاتية تمهل الملك قليلاً حتى أقترب ذلك القائد الوحشي على جواده الأسود عريض الصدر قوي القوام و أنتفض من وقفته واثبا ليهوي بذلك السيف الثقيل قاطعاً تلك الرأس الخبيثة التي هوت على الأرض في وقت أن لمست قدمي الملك الشاب الأرض فغرس السيف في جبهة الأرض الطينية الخصبة التي روتها الدماء الشُجاعة و جلس بينما أستقر بجواره الفرُسان الشُجعان أو ما بقى منهم و عند قدميه أطلق ذئبه الأليف عوائه الأخير مُغادراً مع مليكه إلى الأرض الخالدة.

‏ليست هناك تعليقات: