الاثنين، 20 فبراير، 2012

رقصة الموت الأخيرة.

كانت تطير بأجنحتها الجميلة تبتسم إلى الضوء القادم من بعيد في نفس الوقت الذي كانت فيه أُم جابر تقوم بإعداد ملابس جابر و ملابسها و تقوم بلفها في تلك الملاية صانعة ما يُطلق عليه بالبؤجة كانت تبتسم في صمت و سعادة فهاهي أخيراً ذاهبة إلى لقاء أُمها و أباها و أخوتها ستتذكر معهم كيف كانت تجري بين العيدان الخضراء كيف كانت حياتهم باسمة ضاحكة كيف أعترى الخجل وجهها و هي ذات الأربعة عشر ربيعاً بينما أُمها تُخبرها أن هُناك عريس لها من أبناء عمومتهم القاطنين بجوارهم و لكن يعملون في القاهرة و كيف أسهبت الأم في الحديث عن هذا الرجُل و شهامته و وسامته و كيف أنها ستكون معه في القاهرة تذكرت تلك الأيام الخوالي و هي تبتسم حتى دخل عليها زوجها فما أن رأي تلك الإبتسامة حتى فهم على الفور ذلك الحنين و الشوق الذي تُغالبه زوجته أو صغيرته كما يُحب أن يُناديها.


أبو جابر هو أحد أولئك الرجال الذين تركوا بلادهم في الجنوب و زحفوا إلى الشمال مع بعض من أصدقائه تعاهدوا على أن يعملوا كي يوفروا إلى إهليهم النقود التي أصبحت عزيزة في الجنوب كان يضيق صدره بشدة من سُخرية القاهريين من الصعايدة و كان يتسائل كيف يسخرون منا و هُما لا يملكون ما نملُك من عزة و كبرياء و شهامة و رجولة و جدعنة و صحة إفتكر و هو سارح بخياله لما كانوا بيطلعوا الرمل في الشُقق و كان الواد المُهندس واقف معاهم في الشمس و مرة واحدة أُغمى عليه و وقع عشان جاتله ضربة شمس عيل خِرع صحيح.


حامت الفراشة من بعيد مرة أُخرى حول ذلك المصباح لا تدري أهي تلتمس الضوء أم تلتمس الدفء أم تبحث عن النهاية هل كانت مُدركة أن على زُجاج هذا المصباح ستغدو رماداً - إبتسمت أم جابر و هي تنظر لزوجها بملامحه الجنوبية الأصيلة و في تلك الحُجرة الصغيرة التي يقطنوا بها و التي أضحت جنة أبو جابر بعد أن تزوجها كما صرح لها أكثر من مرة فلقد أكد لها أن لمستها البسيطة في تلك الحُجرة الضيقة قد حولتها من حُجرة صغيرة إلى مكان جميل يحتضن زوجين و طفل صغير كان أبو جابر قد حصل على تلك الوظيفة الرائعة التي كانت تُدر عليها مبلغاً مُحترماً من المال يُنفق منه على أُسرته و يدخر منه جُزء كبير يُساهم في إعالة أُسرته الكبيرة و بناء منزل جديد لهم في القرية كان يبدأ صباحه مع أذان الفجر يغسل السيارات الفارهة القاطنة أمام تلك العمارة التي يعمل بها كُل شيئ بواب و حارس و عامل صيانة و عامل دليفري حتى أُم جابر كانت تُساعد سيدات العمارة في خدمات المنزل من إعداد الأطعمة و التنظيف و توصيل الأطفال الصغار إلى الحضانة حيثُ كانت تنبهر حينما تسترق النظر إلى داخل تلك الحضانات من ألعاب و أنشطة و مُدرسات خواجات زي لهطة الجِشطة كما كانت تصفهم إلى أبو جابر كانت تسرح بخيالها أحياناً و تحلُم بجابر و هو بين أقرانه من الأطفال في حضانة مثل تلك إلا أنها كانت تستيقظ على واقع المستوى الإجتماعي لتؤكد لنفسها أنها ستفعل ما ينبغي نحو تعليمه و تثقيفه حتى يُصبح أفندي كالذين تراهم.


يحتضنها زوجها نحنية بالغة و هي نائمة فتشعر بالدفء و الأمان و سُرعان ما تنام بينما المصباح الأصفر الصغير ينطفئ نوره لعله كان يقول لتلك الفراشة إن رقصتك الأخيرة لم تُحن بعد.


أستعدت أُم جابر بإحلامها البسيطة تحملها بداخل عقلها الصغير الذي لا يستوعب سوى الحُب و الحنية و الروح الجميلة لا يستوعب برودة الواقع لا يستوعب تعقيدات المُستقبل لم تتعلم في أي يوم من الأيام أن تخاف فدائما هُناك رجُل يحمل عنها همومها تذكرت أباها بحضنه الدافئ و قبلته الحانية و أعدت نفس لجلسات السمر التي ستكون بعد الغروب و بعد أن تُعد دور الشاي الصعيدي المُحترم سيجلسون بالقُرب من باب المنزل يتسامرون ستحكي عن السيدات في مصر ستحكي عن السيارات الفارهة و عن الأكلات الغريبة ذات الأسماء الغريبة ستحكي عن كُل شيء كم تشتاق أُمها لرؤية جابر و كم تشتاق هي إلى إحتضان أخيها الصغير لماذا تمُر الدقائق بطيئة و هي تنتظر ميعاد الوصول إلى محطة مصر.


محطة مصر يا أسطى هكذا قالها أبو جابر و هو يُشير بيداه إلى التاكسي الذي أخذ يتناقش معاه في الأجُرة قبل أن يُشير لصغيرته أو زوجته بالركوب المسافة من مدينة نصر إلى محطة مصر ليست بالكثيرة أستغرقها أبو جابر في التفكير في أسباب هذا الشعور الذي داهمه فجأة قلق عنيف أرجعه أبو جابر إلا أنها أول مرة ستُسافر أُم جابر إلى الجنوب إلى الأرض الطيبة كم يحلو لهم أن يُطلقوا عليها تذكر أحلى أيام حياته مع أُم جابر في شهر العسل تذكر الخجل الذي كان يعتريها و كيف أنه أجتهد معها في إزاحة ذلك الخوف الرقيق و كيف عاشوا معاً أحلى أيام العُمر يجترفه ذلك الشعور بالقلق ليقطعه صوت أُم جابر قائلة يا أبو جابر إنت نسيت نور الأوضة مفتوح كده السُكان هيفتكرونا في البيت ضحكة رقيقة و تهمس هتوحشني أوي يا أبو جابر بقى مكنش ينفع تيجي معانا العيد ده يرُد عليها قائلاً إن كُل الأيام عنده عيد طوول ما هي معاه تحتضن كفه في رفق و تقول ربنا يخليك ليا يا تاج راسي.


بالقرب من مصباح تلك الغُرفة الضيقة كانت الفراشة الجميلة تتراقص كما لو كانت تتراقص على أنغام الموسيقى الهادئة كان المُجتمع المصري يستقبل أيام العيد في صخبه المُعتاد بينما كانت تستعد أُم جابر لركوب القطار و أبو جابر يؤكد عليها أن تحترس و لا تُغادر مقعدها إلى حال الوصول سيكون أبيه و أخيه الأصغر في إستقبالها في المحطة عليها أن تحترس جيداً أعطاها الكثير من الأموال التي أخفتها بعناية بين طيات ملابسها و حفظت عن ظهر قلب تعليمات زوجها و أستقلت القطار جلست و هي تحتضن جابر و تسترسل في الأحلام.


كانت الفراشة تلف و تقترب بهدوء ترقُص رقصتها الأخيرة أحتضنت المصباح الزُجاجي في هدوء شعرت بالدف يغمُرها كانت أُم جابر غارقة في أحلامها بينما تعالت الأصوات من حولها شعرت بدفء حار رهيب و رائحة شياط مُنبعثة بقوة من حولها صرخات حادة و رُكاب من حولها يتدافعون أحلامها تتناثر من حولها مع إزدياد الشعور بالحرارة و الإختناق نظرت في عيون جابر تلتمس الأمان فوجدت عيونه تبهت إنحدرت دموع صامتة حائرة تبخرت في هدوء شعرت بالحياة تخرُج من جسد وليدها بينما الحرارة ترتفع و تقترب إحتضنته في خوف في صمت في ترقب رأت صورة أبو جابر أمامها إبتسمت في صمت و هي تحتضن وليدها.



‏ليست هناك تعليقات: